ابن أبي الحديد
92
شرح نهج البلاغة
وقد بالغ بعض الشعراء في الشكوى ، فأتى بهذه الألفاظ ، لكنه أسرف ، فقال : حظي من العيش أكل كله غصص * مر المذاق ، وشرب كله شرق ومراد أمير المؤمنين عليه السلام بكلامه ، أن نعيم الدنيا لا يدوم ، فإذا أحسنت أساءت ، وإذا أنعمت أنقمت . ثم قال : " لا ينالون منها نعمة إلا بفراق أخرى " ، هذا معنى لطيف ، وذلك أن الانسان لا يتهيأ له أن يجمع بين الملاذ الجسمانية كلها في وقت ، فحال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا ، وحال ما يشرب لا يأكل ، وحال ما يركب للقنص والرياضة ، لا يكون جالسا على فراش وثير ممهد ، وعلى هذا القياس لا يأخذ في ضرب من ضروب الملاذ إلا وهو تارك لغيره منها . ثم قال : " ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله " ، وهذا أيضا لطيف لان المسرور ببقائه إلى يوم الأحد لم يصل إليه إلا بعد أن قضى يوم السبت وقطعه ، ويوم السبت من أيام عمره ، فإذا قد هدم من عمره يوما ، فيكون قد قرب إلى الموت ، لأنه قد قطع من المسافة جزأ . ثم قال : " ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه " وهذا صحيح فإن فسرنا الرزق بما وصل إلى البطن على أحد تفسيرات المتكلمين ، فإن الانسان لا يأكل لقمة إلا وقد فرغ من اللقمة التي قبلها ، فهو إذا لا يتجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه . ثم قال : " ولا يحيا له أثر ، إلا مات له أثر " ، وذلك أن الانسان في الأعم الأغلب لا ينتشر صيته ويشيع فضله إلا عند الشيخوخة ، وكذلك لا تعرف أولاده ويصير لهم اسم في الدنيا إلا بعد كبره وعلو سنه ، فإذا ما حيى له أثر إلا بعد أن مات له أثر ، وهو قوته ونشاطه وشبيبته ، ومثله قوله : " ولا يتجدد له جديد ، إلا بعد أن يخلق له جديد " .